|

بجوار البو وفي ظله تحت السيسبان تجلس.. تواري عبرات تتسلل من عينيها.
تتأمل البو بوجهه الجامد ونظراته الثلجية التي تسكن روحها برودة.
تتركه وتصعد درجات السلم.
كانت تحكي للصغير ( لما حط الملك القملة شهرين في الزيت سمنت وكبرت بقت كد الخروف. حطها علي باب المدينة.. اللي داخل يسألوه " تعرف دي إيه ؟"
اللي يقول دي تعلب واللي يقول ديب واللي يقول نعامة – كل اللي يتكلم يقطعوا رأسه و يعلقوها علي باب المدينة) يسألها الصغير " وقطعوا كام رأس يا ستي ؟" " كتير.. كتير.. رووس من غير عدد " ( يوم بعد يوم.. ما عادش حد بيزور المدينة وأهلها سابوها وهجوا.. ما قعدش فيها غير الخرس ).
يقاطعها الصغير " هو منصور أخويا ساب البلد ليه يا ستي ؟ " ترد " ابقي إسأله "
" وبعدين يا ستي.. كملي ".
راحوا. يا حبيبي ( جه الغول وقال قملة بنت قملة.. راحوا .............)" الله ده العشا ادن أصلي العشا وبعدين نكمل الحدوتة "
كان الصغير يتنهد ويقذف بيديه في الهواء.. يجلس القرفصاء وكفاه تحت خديه.
تصعد الجدة الدرجة الأولي .. حتما تتساند علي الجدار الذي يمنحها ظله ترمي بصرها علي أزهار ( صباح الخير) بلونها الأحمر في الحوض الذي يتوسط الفسحة.
تسحب الزهور أوراقها وتتكور مع زحف المغيب عليها. كانت مشرقة في الصباح يتساقط عليها الظل حين تهتز أشجار السيسبان فرحة وحولها أزهار الريحان.
تشرد الجدة (( آه حين يترك الزمن آثار كفيه علي وجوهنا وعيوننا وخطوات أقدامنا.
عيناي الكليلتان بدأ السحاب يتسلل إلي ليلهما.. عيناي لا تميزان ملامح دلك الطائر الذي جثم فوق دارنا مند عودة حفيدي من الخليج.. لا يمكنني رؤية جناحيه ولا منقاره ولا ذيله.
لا أري سوي جسمه مهوما دون تفاصيل وظله الذي ينكمش وينفرد بمرور ساعات النهار ))
تتركني الجدة وتتحرك بخطواتها السلحفانية وتجلس في ظل السيسبان بجوار البو .
تنعر البقرة وتدفع برأسها الباب الخشبي المتهالك عدة دفعات بلا جدوى. من فرجة الباب تدفع بعينيها وتلقي بصرها علي البو .
تقول الجدة: " اللبن حن في ضرعها ".
أخدت العجل النافق بعيدا قبل أن تدرك نفوقه.. كان هزيلا.. ألقي بنظراتبلسانها.ي الدنيا ورحل.كانت تلعقه بلسانها.. لم تشعر بنبضاته.. لم تره يقف ويرضع.
ظلت تدفع باستماتة بمخطمها – رأسه ترتفع وتسقط.. تعلو وتهبط.
أفرغت أحشاءه واستبدلتها قشا ووضعته بوا أمامها فدر اللبن.
تصعد الجدة الدرجة الثانية (الآن.خذلني قدماي ؟ لم احتاجكما قدر حاجتي لكما الآن.. أصمدا من أجلي )) الوهن ينتاب الجدة .. تتحامل وتصعد .. تشرد الجدة
(( القمر كان يقعد هنا ويفترش الساحة .. كان يتسلل ويلفي بقعة نور فضية علي أشجار السيسبان وأحواض الزهر.. لم يعد القمر يأتي والصغير انتظره ولا يأتي )قلتها. الجدة ( البت الطيبة لما سقت الشجرة من قلتها .. الشجرة قالتلها " إن شا الله طولي ييجي في شعرك.. الوردة الحمرا لما سقتها قالت لها " إن شا الله حماري ييجي في خدودك " البت أختها قالت " القلة يا دوب تكفيني " الشجرة قالت لها " إن شا الله طولي يبقي طولك " والوردة الحمرا قالت " إن شا الله حماري ييجي في عينيك.............................")
يقاطعها الصغير " معلش يا ستي.. عطشت اشرب م القلة وأجي طوالي " يعود بعد ساعتين.
تشكو الجدة " البارحة يا منصور كان أخوك يطرقع بصباعه في الهوا ويتلوي.. جري علي المستراح .. انتظرت عودته.. نمت وصحيت.. صحيت و نمت.. رجع ودخل سريره طوالي " تتابع " البت أختك جات قالت لي:
تعرفي يا ستي أحلي حاجة لما الربيع يخبط علي الشباك المقفول افتح له ينط الشتا م الشباك. نرمي تل الهدوم من علي جتتنا.. نتنفس ببراح. شهور ويعود الشتا تاني.. ينفخ بأنفاسه القوية شيش الشباك ويقفله.
تظنني لا أعرف ألاعيبها لاحظتها تهمس في الشباك قالت إنها بتهش الكلب.. قولتلها بتهشي الكلب ولا واد ابن كلب بيسامرك.. تضحك وتغني ببرود غنيوة من بتوع اليومين دول ( أبصر إيه )؟)"
تصعد الجدة الدرجة الثالثة (( عدة درجات أخري وأصل )) تلمح البو واقفا يشيعها بنظراته الخرساء.. تسرح الجدة
ينتظرون.بو رحلت دون أن تذوق حلاوة الحياة في حين من شبعوا منها واستحالت حلاوتها في حنكهم لمرارة طفحت من جوفهم.. ينتظرون .
آه لو كان الموت كالمناصب بالأقدمية أو حسب الرغبة ( الحياة بلا موت عذاب ) ))
تعاود الجدة الحكي (............ سمعت الأميرة القمرية علي الشجرة بتقول لزميلتها: كبدتي وكبدتك والشر برة.. كلوتي وكلوتك والشر برة.. قلبي وقلبك والشر برة.. يتحمروا ويترشوا علي جروح الأمير يعود متعافي. قالت القمرية كلامها وطارت )
قال الصغير " ستو معلش.. ميعاد التمثيلية أتفرجها وأجي ليك طوالي " يغيب بالساعات.. تسمع جدتي صوت قطارات وسيارات وانفجارات وسارينة إسعاف.
تشرد الجدة وتفكر (( هناك سر.. الطائر الكبير الذي يسكن السطوح ويلمع جسمه في ضي الشمس يحمل الصغير علي ظهره كبساط الشاطر حسن ويلف به ألف ليلة وليلة علي بلاد السند والهند وبلاد الأقزام والسحرة والغيلان ويفرجه علي ست الحسن )) تقول جدتي:
" تعرف يا منصور الطائر ده قمرية كبيرة غير كل القماري أسمع صوتها من يوم وصولك م الخليج.. تيجي الصبح تنادي علي الواد وترمي ضلها.. كل ما نسمعها تغني نقول ضيف جاي ".
- الدرجة الرابعة (( عدة درجات وأواجه دلك الطائر المخيف الذي تسلل من كتاب حواديتي وسكن فوق سطوحي.. ريشة.يتي لك سأنتف ريشك.. ريشة .. ريشة وأذبحك.. لن يمنعني وهن خطواتي ولا كرمشة كفوفي )).
يعود الصغير من الغيط بعد الغروب تنطلق البقرة منه مندفعة تبحث عن البو.. ينكفئ علي وجهه.. يترك الحبل قبلما تجرجره علي الأرض.
ابن جيراننا انطلقت العجلة الصغيرة به - كان يربط الحبل حول وسطه – دفعته عبر أحواض البرسيم وعيدان الكركديه وإبر أشواك النخيل وسعفه المدبب نغزت جسمه وخيوط دم كانت تنزف من أنفه وجروحه.
زقت البقرة أمي واندفعت نحو البو بصعوبة ربطتها داخل الزريبة.
تشرد الجدة (( تراه الصغير أراد ذبح القمرية ليحمصها ويطحنها ويرش مسحوقها علي جروح صديقه فخادعته القمرية وسحبته في مخالبها وطارت.
سحرت عينيه بالعوالم التي لم يرها سوي في خياله فسئم حكاياتي )).
تستدير الجدة يد علي الجدار ويد علي السلم.. الجلوس يثقلها بمفاصلها التي يحتلها الروماتيزم.. معاودة الصعود عذاب بطئ.
تلقي بمؤخرتها ترتطم بالدرج.. تتأوه وتلتقط أنفاسها.. تحاول أن تنهض وتستدير كما استدارت لها الدنيا.
تحكي الجدة (..........سألها جوزها: كتاكيت زادة ليه مش بترقص زى العادة ؟.
ترد زادة: يقطع زادة وكتاكيت زادة.. زادة إخواتها عندهم فلوس وهي لأ. يترك ليها جوزها فلوس كتير ويخرج.
.................. يسألها جوزها: كتاكيت زادة ليه مش بتحكي زى العادة ؟
ترد زادة : يقطع زادة وكتاكيت زادة .....................)
(( زادةي.......(( زادة لم يعد أحد يسمع حكاويها و............ الناس تبدلت والنفوس تبدلت والقلوب و........و............كل الأشياء الجميلة ولت والعمر ولي.. حتى الصغير الذي أقص عليه حكاياتي...........
دلك الطائر الضخم حرمني لذة الحكي وحرم غيري متعة الإنصات.. هل أحضره منصور من الخليج في قفص معه بالسر.اد قرصتهم أمهاتهم ولا أحد يبوح بالسر .. سأصعد بنفسي لتبين السر )).
الدرجة الخامسة مرتفعة كثيرا عن سابقاتها. تدفع الجدة جسدها لأعلي.. ظهرها المقوس قليلا تعاود فرده. طرقات علي الباب.. حتما سيتوقفون عن الطرق حين لا تجيب ؟ (( الجيران يريدون استعارة حلة أو طبق أو......... يريدون أحدا سواها ))
يزداد الطرق فجأة.. تفزع الجدة.. تزل قدمها المرفوعة.. تنشق الأرض عنا نسند جدتنا – حتى الصغير يشاركنا – تستند علينا وتهبط درجات السلم.
بجوار البو تجلس وتشرد بعيدا (( غدا يا بو حين تتوقف البقرة عن إدرار اللبن لن يعود لك جدوى أو وجود و سترحل.
حتى يأتي يوم الرحيل يا بو فلتنصت لحكاياتي.. لم يعد لي سواك مستمع. اسمع:ني ألا تذهب لتأكل أو تشرب أو تفعل كما يفعل الناس وتغيب.. اسمع :
( صلي علي النبي.. كان يا ما كان.. كان فيه......................) )).
|