|

خرجت السيدة فاطمة تخب في ثيابها من المستشفى، بعيون مضطربة و خطوات مرتبكة.أوقفتها إحدى جاراتها،كانت هناك.. وصاحت فيها بأعلى صوتها: ماذا جرى يا فاطمة؟
.و بوجه شاحب و صوت واهن دفعت الكلمات من فمها دفعا و قالت:-ابنتي تنزف في الداخل والطبيب يطلب دما لإنقاذها و المستشفى لا تتوفر على الدم المناسب سألتها جارتها:-ودمك أنت؟ أجابتها بدموع كثيفة:-قالوا لي لا يصلح.
دخلت السيدة فاطمة من جديد إلى المستشفى تسأل عن حال ابنتها المنكوبة و كأنها تنتظر معجزة أو هاتف يهتف لها بنجاة ابنتها.صاح الدكتور من جديد:_لم يبق لك الكثير من الوقت، حاولي البحث عن الدم المطلوب. انتقلت تحمل يأسا داخليا ينخر روحها إلى كل المستشفيات و أبناك الدم...كلهم يرددون:_لقد نفد كل ما عندنا.
-_عفوا يا سيدتي، مند إعلان الحرب، فقدنا كل دمنا.
جابت كل الشوارع و الحواري، النزيف في كل مكان حتى استحال لون التراب إلى أحمر فاقع اللون. وتحولت مدينتها الهادئة السابحة كالنسمة في الفضاء إلى مدينة جنائزية تدق فيها أجراس الموت من كل جانب. صاحت بدون تفكير:_تقولون إن الدم غير موجود ،أنه يسقي الشوارع الإسمنتية و لا أحدا يبالي.من سيجمعه و يجففه ويعيده إلى أصحابه؟
هرولت كالمجنونة تبحث بعيونها الجافة عن دم أحمر يصلح لابنتها الجريحة.لم يبق من الوقت إلا دقائق معدودة، شبح الموت بدأ يسرق كل ما هو جميل في المدينة، دمعت عيناها كثيرا حتى حجبت عنها الرؤية و ارتمت على حائط منكوب ما زال يحمل آثار بعض الفسيفساء الجميلة الشاهدة على الزمن الطيب.بلعت ريقها بصعوبة و صاحت بأعلى صوتها:_خذوا دمي إنه يستطيع أن ينقد حياة ابنتي، من قال إنه لا يصلح من أنجب هده الفتاة، من أرضعها.....
وضاع صوتها بين ضجيج الأصوات البشرية المعذبة.اختلط كل شيء واستحالت الحياة اليومية إلى صندوق صغير تلفه القنابل من كل جانب..هرولت السيدة فاطمة كما هرول الآخرون في اتجاه مفقود..الكل يحمل دمه بين يديه خوفا من تدفقه و ضياعه بين الأزقة و الدروب.السيدة فاطمة ما تزال صامدة كالنفس الأبية، تبحث بعيون ثاقبة و مضطربة عن نقطة دم هاربة من مكان ما تنساب من بين أيادي بعض المحسنين في غفلة عنهم.
قبل الإعلان عن الحرب، كانت مدينة السيدة فاطمة ملك لها و لأهلها، تنعم بهدوء صيفي جميل و شتاء دافئ.كانت السيدة فاطمة، كلما تمر بحي أو زقاق إلا وتلقي التحية أو ترد السلام.أهلها يحملون آثار حضارة غابرة مرت من هنا.وما زالت منقوشة على الحجر و الصخر...يخرجون من بين الصخور زهورا و تستوطن رائحتها كل أرجاء المدينة.يوم تزوجت السيدة فاطمة، تحولت كل المدينة إلى عرس كبير.بكت السيدة فاطمة ذلك اليوم كثيرا، فسألوها عن السبب فقالت:أتمنى أن لا تزول هذه الفرحة عن مدينتنا.وأغمضت عينيها و راحت في سبات عميق بين أضرع من اختارته زوجا و حبيبا.
كبر أطفال المدينة و كبرت أحلامهم.مسح فصل الشتاء شوائب الصيف الماضي، انتشرت أشجار الزيتون بضواحي المدينة و امتدت جذورها إلى قلب الأرض كأنها سياج يحميها من النظرات المنفلتة من هناك.
كانت السيدة فاطمة تردد دائما في صمت آية قرآنية خوفا من الحسد.فهي دائما كانت تقول بأن سهام الحسد فتاكة، تصيب كل شيء جميل و تأتي عليه كما تعمل النار بالهشيم.كان هذا قلقها الدائم على مدينتها المصانة و المحصنة.
طال انتظار السيدة فاطمة على أمل أن يأتيها مبشر يبشرها بنجاة ابنتها، سقط الحائط الذي كان يأويها، اسود وجه السماء و ابتلع دخان المدافع كل المدينة.سعلت كثيرا حتى خيل إليها أنها النهاية.نامت على حجر أبيض اللون،كبير الحجم،لم تصبه النيران الملتهبة. أغمضت عينيها وعادت إلى تلك الأيام التي كانت فيها طفلة تلهو مع أقرانها فوق هذا الحجر، و كل ما أحست بالتعب و ضيق التنفس، كانت تستنجد بالحجر الأبيض.و كم كانت دهشتها كبيرة يوم سمعت من عند أحد مشايخ المدينة، بأن عمر ذلك الحجر آلاف السنين.لم يستوعب عقلها الصغير ذلك الكلام، فسألت من جديد:_هل للحجر عمر؟ ضحك شيخ المدينة وقال لها بكل روية:_كل شيء في هذه المدينة له عمر و تاريخ.حتى الشجر الذي تلعبين حول أغصانه له ذاكرة الأجداد.إن أجدادنا غرسوا و سقوا..و علينا أن نغرس و نسقي حتى يستمر النسل.
سالت دموع من عيونها الجافة، وظلت مستلقية في انتظار الفرج. ربما تشرق شمس الحق من جديد.
|